المحاماة فراسة وفروسية تأليف المستشار / احمد محمد نعمان-محامٍ وكاتب يمني المحاماة فراسة وفروسية تأليف المستشار / احمد محمد نعمان-محامٍ وكاتب يمني
close

  المحاماة فراسة وفروسية

         تأليف المستشار / احمد محمد نعمان

           بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد : 

فإني لما تشرفت بخطابكم السامي لي ودعوتي لحضور المؤتمر العربي السابع للمحاماة 

 بين الفترة ٩ -١٠ فبراير ٢٠٢٣م فندق كونراد - القاهرة  وكان أن أحصرت فلم أستطع الخروج لا لشيء إلا لكون الوضع لا يخفى على أحد ، ولما لم تسعفني عصا الترحال؛ بعثت إليكم بهذا المقال، لأني لم أجز لنفسي الغياب عن هذا المحفل العاطر والمؤتمر الناضر ولقد أحببت أن أحضر ولو على الورق حضورا أدبيا ، لعلي أخفف عن نفسي حزن الغياب عنه ، ولعلي لا أغيب عن همسات إخواني وزملائي الذين ترصعت بهم أرائك هذا المحفل العلمي الكبير ، والذين نحبهم ونودهم على ما بيننا من مسافات، فإذ لم أقدر على الحضور فقد بعثت إليكم هذا المنشور، مشفوعا بالحب والإجلال ، سائلا الله مبتهلا إليه أن أتشرف بلقائكم عماوقريب ، ولعلي أن أنال رضا ألله بذلك ، ثم إنه لن يفضل على ما تخطه يراعتكم وما تدبجه براعتكم ، ولكنه جهد سيجد له بإذن الله في قلوب إخواني القبول فيقَفُّونه لي بالإعذار لي ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل . 

تمهيد

لقد وفق واسم هذا المؤتمر حين اهتدى الى تسميته باسم " المحاماة فروسية وفراسة " فهذا الاسم يجمع جوانب الحديث عن موضوع المحاماة بأبعادها المختلفة ، نعم فالفروسية تشتمل على الأخلاق الكريمة التي ينبغي على المحامي أن يتخلق بها وأن يتضلع منها، من أمانة ووفاء وصدق وغير ذلك من فضائل الأخلاق سواء أخلاقيات المهنة(المحاماة) أو الأخلاق العامة، وأما الفراسة فهي كلمة تجمع ما ينبغي أن يكون عليه المحامي من مهارات علمية و عملية و فطنة 

وذكاء وسرعة بديهة وقريحة وقادة وذهن صاف.

لذا فالموضوع ذو شجون، وهو أوسع من أن يجمع في سفر فكيف برسالة مختصرة، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وسأمر على خواطر جاد بها الخاطر، وأبكار من بنات الأفكار مرورا لطيفا إن شاء الله. 

 وقد قسمت الحديث في هذه الرسالة إلى مبحثين هما المبحث الأول: بعنوان الفروسية؛ ويتضمن ثمانية مطالب، والمبحث الثاني: بعنوان الفراسة، ويتضمن ثلاثة مطالب، وبالله نستعين . 

 المبحث الأول / الفروسية : 

وهي كما ذكرنا تنتظم كل الأخلاق الكريمة والصفات الفاضلة سواء منها مايتعلق بالعلاقة بين المحامي و وغيره من الناس كالمحامين والقضاء والأخصام والموكلين، او مايتعلق بالصفات التي تكون شخصية المحامي وتكوينه المعرفي والنفسي و المادي فالموضوع اذا واسع جدا يحتاج الى بحث مطول ولكن سنتطرق الى شذرات مختصرة، يتحدث بها عن أهم مفردات الفروسية 


1- المطلب الأول /  الأمانة والصدق :

تجد الأمانة والصدق الخصليتن البارزتين في أي منظومة خلقية، فهما مطلوبتان من كل أحد، ولكنها تتأكد كلما كان مقام ومهام المرء جليلة، والمحامي الفارس مطبوع على هذين الخلقين، يحاذر أن يتجاوزهما إلى نقيضيهما، ومن الأمانة 


مفهوم : 

هناك من العوام وبعض الخواص من يفتئت على مهنة المحاماة ، وينال منها بقوله وتفكيره ويفشي مفاهيم خاطئة عنها، وهذا للأسف قد يجد طريقه إلى البعض نتيجة ضعف الوعي وركاكة البنية العلمية والحقوقية لديه، وهذا ليس غريبا ، لكن الأغرب والأخطر هو أن تتسرب بعض هذه القناعات أو بعض تأثيراتها إلى عقول بعض المحامين أنفسهم، لا سيما إذا صادفت مخالفات مهنية وأخلاقية لدى المحامي ، وتصوره السلبي عن المحاماة يجعله يزاولها وهو معتقد أن ثمة سلبية فيها، وبالتالي لا ينظر هذا إلى أن كونه محاميا فهذا مقام عظيم يجب أن يراعيه كأمانة .

المحامي الفارس يحفظ الأمانة في نفسه وأموره الشخصية : 

فيجب أن يعتني بنفسه وبالمقام الذي أقامه الله فيه، بأن يشكر الله على هذه النعمة ويستغلها في خدمة الخلق، ويعمل على تطوير ذاته وتنمية مهاراته، لأن كل ذلك وسيلة لا بد منها لكي يكون محاميا ناجحا وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

المحامي الفارس يحفظ الأمانة في أهله : 

فالمحامي الفارس لا يقصر في رعاية زوجته وأبنائه،  وينبغي أن يكون متفقدا لأحوالهم سائلا عنهم ومهما كان منشغلا فإنه يمكنه أن يتخذ من الإجراءات والتدابير ما يعينه على ذلك .

 المحامي الفارس يحفظ أمانة موكليه :

 فلا يفشي أسرارهم ولا يذكرها لأي أحد، ولا يستغلها ولا يخبئ أو يحتجز أوراقهم أو مذكراتهم بدعوى الضغط عليه.

فهو لا يواطئ خصم موكله أو من يضر بموكله سرا فإن هذا خيانة لمن ائتمنه ، وإذا كان الموكل لم يف بالتزاماته مع المحامي فهو لا يقوم بردة فعل للانتقام منه ولكنه يعزل نفسه عن القضيه إن أراد ويحتاط أن لا يضر بمن كان موكله احتايطا بليغا.

وقد نصت العديد من اللوائح على ما يتضمن هذا المعنى ومنه على سبيل المثال ما جاء في نظام المحاماة ولائحته التنفيذية السعودي التي ورد فيها :

- لا يجوز للمحامي أن يتعرض للأمور الشخصية الخاصة بخصم موكله أو محاميه، وعليه أن يمتنع عن السب أو الاتهام بما يمس الشرف والكرامة.

- على المحامي الامتناع عن ذكر الأمور الشخصية، أو ما يوحي إليها، كتابياً أو مشافهة للخصم أو وكيله، حتى ولو كانت مما لا تسيء إليه، ما لم يستلزم

-لا يجوز للمحامي بنفسه أو بوساطة محام آخر أن يقبل الوكالة عن خصم موكله أو أن يبدي له أي معونة، ولو على سبيل الرأي في دعوى سبق له أن قبل الوكالة فيها أو في دعوى ذات علاقة بها ولو بعد انتهاء وكالته.(1)

والمحامي الفارس لا يخفي ضعف موقف موكله عنه بل يفصح له بذلك دون تردد أو مواربة.



1- نظام المحاماة ولائحته التنفيذية السعودي.م.12 - 15   

كما   جاء في القانون اليمني رقم ٣١ لسنة  1999م بشان تنظيم مهنة المحاماة  وكذا في نظامه الاساسي في:

مادة(71): على المحامي أن يتقيد في سلوكه الشخصي والمهني بالقيم الإسلامية ومبادئ الشرف والاستقامة والأمانة وحفظ السر والنزاهة وآداب المهنة سواء اتجاه القضاء أو اتجاه زملائه أو موكليه وعلية أن يتجنب كل إجراء أو قول يحول دون سير العدالة وان يتقيد بأحكام هذا القانون وأنظمة ولوائح النقابة. 





 المطلب الثاني/الجمال : 

إن أي ناحية في الدنيا وفي نشاطات الإنسان تخلو من الجمال يعني أنها تخلو من الحياة وتخلو من المنفعة ، ولهذا كان المحامي الفذ فارسا يلبس المحاماة حلة قشيبة من الجمال والبهاء رفقة الإتقان والإجادة فهو جميل في عظمة وجلال وبهي في جودة على أحسن مثال .

جمال المكتب :

فموقع المكتب وشكله وأثاثه والهدوء فيه ويجب أن يشمل هذا معاونيه ومن يتصلون بالعمل لدى مكتبه ِ،فليس مكتبه دكانا كما يفعل البعض من الذين لا يقدرون مقام المحاماة، ولكن مكتبه بيت للعلم والجمال والهدوء والسكينة .

جمال المذكرة :

 فالفروسية تظهر جمالا في العريضة من حيث شكلها تصميما وطباعة وإعرابا وضبطا وديباجة،  ومضمونها لفظا ومعنى وأسلوبا وفصاحة وربطا واستدلالا.

ثم يكرم تلك المذكرات والأوراق فيؤرشفها بطريقة تبعث ثقة الموكل به، وبما يسهل عليه وعلى العاملين في مكتبه وعلى الموكل نفسه البحث والمطالعة فيه والوصول إلى الورقة المطلوبة بسهولة ويسر وسرعة .

جمال الهيئة : 

فعلاوة على كونها مطلوبة من كل مسلم تبقى أناقة المظهر مطلبا مؤكدا لدى المحامي، ولهذا ما له من أثر خصوصا على الموكل الذي يكتسب الثقة بمحاميه كلما رآه على هيئة جميلة .

جاء في المادة (125) من النظام الأساسي للمحامين اليمنيين ما نصه :  يجب أن يكون مظهر المحامي لائقاً أثناء عمله أمام المحاكم ، ويلتزم بلبس الرداء الخاص بالمحامين أثناء الترافع في المحاكم ، ويحدد مجلس النقابة تصميم هذا الرداء ولونه ويسري هذا النص من تاريخ صدور قرار المجلس .


ولذا فقد جاء في القانون اليمني رقم ٣١ لسنة  1999م بشان تنظيم مهنة المحاماة

مادة(73): على المحامي أن يتخذ من سلوكه ومظهره ما يدل على احترامه الكامل لهيئة المحكمة وألا يبدى ما من شأنه ينقص من احترامها وهيبتها.












   المطلب الثالث/ الشهامة : 

طيب النفس وحسن الخلق هما منبعا هذا الخلق فهو يوحي بنفس طيبة في ذاتها وقبل أن تتعامل مع أحد من الخلق ، ويوحي أيضا بحسن الخلق فالكرم والوفاء والصدق والأمانة وعزة النفس وقلة الأطماع وإغاثة الملهوف كلها من مقتضيات هذا الخلق العظيم 

الشهامة في المحامي الفارس تقتضي الإنصاف:

فهو ينصف الناس من نفسه قبل غيره، فيستعمل العدالة بينه وبين موكله وخصومه قبل أن يطلبها من القضاء ولا يخرج موقف ولا يشذ حال له عن معايير العدالة مهما تغيرت عليه الأحوال وتبدلت به المنازل يصدق فيه قول الشاعر: 

وأحوال الزمان عليك شتى 

              وحالك واحد لا يتغير




وقد جاء من النظام الأساسي للمحامين اليمنيين ما نصه :

المادة (124) :  يلتزم المحامي في تعامله مع زملائه ما تقضي به اللياقة والاحترام وتقاليد المهنة واحترام الأقدمية ، ويفصل مجلس النقابة في أي خلاف بين المحامين بسبب المهنة .


الشهامة تقتضي السعي لإحقاق الحق وإبطال الباطل بكل متاح ممكن : 

فمحامينا الفارس لا يعيش لنفسه بل يعيش للحق وللعدالة رزقه تحت ظل قلمه ، أينما ولى وجهه سخر وقته وجهده وقلمه ومشاعره لخدمة وكيله المظلوم والحق المهضوم.

الشهامة تقتضي الشجاعة : 

فلا يمكن ليد مرتعشة أن تبني شيئا، والمحامي سيف القانون وقلمه، لا يتوانى عن قول الحق والحقيقة، وإبراز أدلتها، ولا يتواني عن العودة إلى الحق مهما كانت عواقبه.


ولعل من النصوص التي تدخل في ما يدل على معنى الشهامة ما جاء في القانون رقم ٣١ لسنة  1999م بشان تنظيم مهنة المحاماة.

المادة (114) :   على المحامي أن يتقيد في سلوكه الشخصي والمهني بالقيم الإسلامية ومبادئ الشرف والاستقامة والأمانة وحفظ السر لموكله والنزاهة وآداب المهنة سواء تجاه رجال القضاء أو تجاه زملائه وموكليه ، وعليه أن يتجنب كل إجراء أو قول يحول دون حسن سير العدالة ، وان يتقيد بأحكام القانون وهذا النظام ولوائح النقابة .

والمادة (115) :  يلتزم المحامي ببذل غاية عنايته في الدفاع عن موكله وحماية مصالحه ، ولا يجوز له التراجع عن الدفاع عن موكله إلا إذا استشعر أنه لن يستطيع الاستمرار مع موكله بسبب ظروف وملابسات الدعوى .


 المطلب الرابع/  الفصاحة والبيان : 

لا يماري احد أن من أبرز معاني الفروسية لدى المحامي الفذ أن يكون فصيح اللسان واضح العبارة قوي البرهان خطيبا قانونيا في ساحة العدالة والغرض من ذلك لا ينبغي أن يكون مجرد التفيهق والتشدق بالكلام بل يجب عليه ان يكون بذلك مبتغيا مرضات الله تعالى فإن الفصاحة في الحق قربة يتقرب بها فارس المحاماة إلى ربه زلفى، وكلما كان واقع المسألة والقضية التي تصدر لها يكتنفه الغموض والصعوبة وكان خصم المبطل شديد الحيلة والمكر و الكيد كانت الحاجة إلى الفصاحة والبيان أشد حتى يتضح الحق من الباطل بحيث لايبقى للباطل مقال ولهذا فقط تفطن نبي الله موسى لأهمية الفصاحة والبيان في مهمته التي كلفه الله بها في دعوة فرعون وقومه الى دين الله ورفع الظلم والجور عن بني إسرائيل وذلك لعلمه اليقين بالواقع التي أضحت عليه الحقيقة والحقوق في مصر آنذاك من التضييع والتمويه حتى فشا فيهم السحر فكانوا يصورون الحبال والعصي ثعابين يسترهبون بها الناس ومن قوة الهالة التي أحاطت بهذا الواقع الأليم فكان أن سأل موسى ربه أن يحل عقدة لسانه ليفقه فرعون وقومه مقالته وسأل الله كذلك أن يرسل معه أخاه هارون وقال إنه أفصح منه لسانا

 الفصاحة لدى المحامي الفارس مقرونة بالرحمة:

المحامي الفارس لا يتخذ من فصاحته مقمعا للحقوق ولا سوطا يضربهما على رؤوس الضعفاء المحقين ، بل دائما ما يجعل مقود تلك الفصاحة في يد الرحمة بالخلق والشفقة بمن وكله وبغيرهم ممن يكونون أهلا بموجب الشريعة والقانون لتلك الرحمة ، ولذا فقد حدثنا القرآن الكريم أن الله علم الإنسان الفصاحة والبيان بموجب اسمه الرحمن لا اسمه الجبار ولا المنتقم أو غيره من الأسماء التي تفترق في معناها ومتعلقها عن ما يتضمنه اسم الله ( الرحمن) فقال تعالى : ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ) . 

ثم ثنى عزوجل على البيان بذكر تعليمه القران 

لان الفصاحة والبيان بدون علم صحيح نافع يكون 

زيادة في الإيهام والإبهام .

فمرافعة المحامي وكلماته هى جسره إلى القاضى أو القضاة في محراب العدالة ، وكونها كلمة يستوجب أن يكون لها معنى ، وأن توظف في عبارة تحمل وتعطى مضمونا ، وأن تأتى فى سياق يجعل لها غاية .. أما كونها منطوقة . فإنه يستوجب أن يكون لها معمار ، وأن تكون لها موسيقيتها الذاتية وموسيقاها في سياق عبارتها المتجاوبة مع المعنى الذي تنشد بيانه وجلاءه .. و ليس حسب القانون أن يلم بالقانون ويبحر في عوالم الثقافة والمعرفة ليمتلئ رأسه ويتفتح عقله ويربو حصاده، وإنما عليه أن يمسك زمام وسائل الإقناع وأن يدرك أن فرصة الكلام والحجة في بلوغ الغاية تتفاوت صعوداً وهبوطاً ، أو إيجابا وسلبا على قدر ما يستطيع المحامى أن يجدل المعاني في عبارة محبوكة، وأن يلقى بها بفن يحفظ له جسرا حيًّا وواجبا بينه وبين منصة القضاء...(1)

1- فن المحاماة - الفقيه رجائي عطية - نقیب المحامين في مصر - رئيس اتحاد المحامين العرب -  مقال منشور بجريدة الأهرام الاثنين 2020/8/17..- بتصرف -.

 لغة المحامي الفارس فصيحة جمعت بين الفصاحة والبلاغة والبيان وبين البساطة والسهولة والوضوح فهي فصيحة من حيث كونها تفصح عن المقصود وتقضي لبانة موكله فهو إذا تحدث سرت عن قلب موكله سحابة الهم وانقشعت الغمة عن فؤاده فهو يجمع بكلامه وحديثه بين جمال الأسلوب وحسن الصياغة وجودة التركيب هذا من ناحية الشكل ومن ناحية المضمون فإن حديثه ينبثق من مشكاة الشريعة ونبراس الحقيقة وسراج القانون فهو يدور مع رحى الدليل أينما دارت ويطفو في فلك القانون لا يحيده عنه ولا يميد ولاتضطرب به الهوى ولاتتقاذقه المصالح. 

لغة المحامي الفارس ليست على ضرب واحد: 

وليست لغة المحامي على ضرب واحد ونمطا واحد لكنك تجد فيها أزواجا من لغات شتى فاحيانا يتسم حديثه بالقوة والجزالة إذا ماكان مدافعا ومنافحا عن حق مسلوب أو ضعيف قد اعتدي عليه، أو قوي قد علم أن الحق معه، وتارة أخرى تجد في كلامه وحديثه وكتابته ماهو ارقى من النسيم والين من الحرير حينما تمتزج معارفه القانونية بمشاعره الفياضة وأحساسه المرهف بالظلم الواقع على موكله . المحامي الفارس له لغة و منطق في قاعة المحكمة تختلف نوعا ما عن تلك اللغة التي يستعملها إذا ثاب إلى أهله ، وكان بين زوجه وأولاده، فهو يخلع عن نفسه صرامة القانون وحدة المواجهة والترافع ، ويرتدي ثوبا قشيبا من اللطف والرقة والحنو؛ بعيدا عن لغة أولئك الذين يتخاطبون ويعاشرون أهليهم بنفس اللغة والمنطق التي يتعاملون بها أثناء أدائهم واجبهم وقيامهم بمهمتهم العظمى . 

 المطلب الخامس / الشموخ والارتفاع:

 الفارس على فرسه شامخ الذرا ، موسوم بالعلو مهيب الجناب، مثقل الجثمان فكذلك فارسنا الشرعي والقانوني لا يخف على جواده فيزل به عن صهوته ولا يتنكب الطريق فيضل عن غايته.ِ

 الفروسية تقتضي الارتفاع عن الدنايا :

 المحامي الفارس فهو لا يساوم على الحق ولايماري فيه مترفعا عن دنايا المقاصد وسفاسف الامور فلا يخون موكله ولا يكشف ستره ولا يفضح سره ولا يوطئ عليه في الباطن ولا يدافع عن ذوي التهمة والباطل ويكون أبدا للخائنين خصيما متمثلا قوله تعالى : (ولا تكن للخائنين خصيما) اي ( ان الله نهى رسوله عن عضد أهل التهم ، والدفاع بما يقوله خصمهم من الحجة، وفي هذا دليل على ان النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز فلا يجوز لأحد ان يخاصم عن احد إلا بعد ان يعلم انه حق) 

تفسير القرطبي - الجامع لأحكام القران - 6 / 377 


وكما أن العلو والارتفاع لدى الفارسي المحامي يقتضي علو الهمة وإلاعراض عن الدنايا وسفاسف الامور، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ان الله يحب معالي الامور ويكره دناياها وسفاسف المقاصد) فكذلك العلو أيضا يقتضي اتساع مجال الرؤية والإحاطة قدر الإمكان بما يضطلع به من مهام وما يوكل إليه من قضايا، فلا ينظر من زاوية ضيقة ولا يقتصر على مجموعة من الأوراق أو يكتفي بمعرفة ودراسة جانب من جوانب القضية ، بل يحيط بدقائق القضية وما لها وما عليها ويعلم ويسبر غورها ويمخر لججها، لأن الحق أحيانا يكون في زاوية مغفلة أو ورقة مهملة أو في عبارة مستسهلة ، فلا يستصغر المحامي شأن أي مكون من مكونات قضيته ولا يألو جهدا في البحث في جوانبها والتنقيب في مكامنها . 



الفروسية تقتضي السرعة والخفة:

 إن فارسا لا يسبح جواده ولا تضبح عادياته ولا تثير النقع فوق رؤوس المبطلين الظلمة، ولا تصبح في معامع الاحتقاق مغيراته؛ لا يسمى فارسا ، فالسرعة والخفة والتبكير وإسعاف الموكل كلها من المعاني التي تكمن في لفظ الفروسية في المحامي.

المحامي الفارس يترفع عن مهاترات وسائل التواصل الاجتماعي :

طالما وأن طبيعة المحاماة تستلزم الوقوف مع خصم ضد خصم آخر فإن من الطبيعي أن تمتلئ جراب المحاكم بأخصام للمحامي ويكثر من يرمقه بعين محملة له عن مسؤولية من عدم مواتاة القضاء لرغباته ولألاعيبه ، فكما يبغض السارق النور يبغض كذلك المحامي الذي يضيء عتمة القضايا بنور الشريعة والقانون وكما يخاف الظالم من العدالة يخاف من المحامي الفارس الذي يجلي الحقيقة ويصبح سوطا في يد الحق والعدالة ، وكثيرون هم أولئك الذين يتخذون من وسائل التواصل الاجتماعي منبرا لبث الدعايات المغرضة والتشويه والشتم لاستفراغ ما حشا أفئدتهم من الحنق على سلطان القانون الذي يسلطه فارس العدالة على ذوي البغي والإجرام ومنتهبي الحقوق والأموال ، ولكن المحامي فارس في هذا الميدان لا يكاتف السفهاء وذوي الجهالة في تلك الوسائل ولا يجاريهم ولا يلتفت إليهم ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن كتيبة الفرسان من المحامين مع ذوي الشأن في نقابة المحامين طرا يجب أن تتداعى وتتخذ الإجراءات الحاسمة للموقف الذي يأخذ طريقه للإضرار بسمعة المحامي والنيل من مسيرته الغراء ويكون لديهم الآليات والإجراءات المسبقة للضرب على يد من يتخذ من وسائل الإعلام والتواصل طريقا لإسكات صوت الحق متمثلا بالمحامي الذي يأمر بالقسط ويدفع عن حياض العدالة ويسهر على ثغراتها ِ



  المطلب السادس /القوة : 

القوة التي يتمتع بها المحامي قوة علمية وقوة نفسية روحية وقوة مادية.

 القوة العلمية :  

العلم سلاح المحامي الفارس في هيجاء القضاء فهو عالم بالشريعة والقانون عالم بواقع القضيه التي يتصدر لها لديه من الثقافة الواسعة ما يجعله فارسا في كل ميدان لأن القانون ينظم الحياة بجميع تفاصيلها.

 القوة النفسية : 

لا يمكن للفارس أن يكون فارسا حقا ما لم تكن بنيته النفسية تامة البناء 

مقتضيات ضرورة القوة النفسية للمحامي : 

1-طبيعة عمل المحامي المرهقة التي تشغل تفكير المحامي ليل نهار 

2- الحاجة إليها لمواجهة الخصوم ذوي العناد والنفس الطويل 

3- العقبات التي تعترض طريق عمله سواء من الموكلين أو من الجهات القضائية

القوة المادية :

 أعني بالقوة المادية أن يتمتع المحامي بالقوة الجسدية المواتية لعمله، فالإعراض عن الرياضة البدنية ولو الخفيفة ،وعدم تنظيم الغذاء وتكامله.

فإن المحامي يلزمه خفة الحركة ونشاط الجسد والنباهة الذهنية اللازمة لما يتطلبه العمل من التفكير المتواصل والمطالعة والبحث والنقاش.









المطلب السابع /الإدارة والقيادة :

المحامي الذي لا يستطيع ضبط حياته وأوقاته وتنظيم عمله وترتيب أوراقه لا بد أن يكبو جواده ويعثر، وتتعاظم زلاته وتكثر، ولذا كان لا بد من أن يمتلك المحامي القدرة اللازمة لإدارة دفة عمله ومكتبه؛ سواء في المكتب أو في بيته أو في المحكمة أو في أي مكان يتواجد فيه بعمل.

وعليه أن يستعين بكل وسيلة من شأنها توفير الوقت والجهد لإنجاز مناشطه كلها كالوسائل الحديثة والرقمية 

وكذلك فالمحامي الفارس يجيد إدارة واستغلال إجازاته وأوقات راحته فإن المحامي الذي لا يجيد فن الراحة لن يجيد فن العمل.

 





المطلب الثامن / الإنسانية :

إن صبغة الإسلام التي صبغها على الحياة الإسلامية صبغة خامها وبلالها ولونها وريحها كله يعبق بالإنسانية، وما الشريعة إلا خطاب الله للإنسان، ولعل هذا البعد يغيب عن كثير من العاملين في ميدان المحاماة فترى السقطات والانتكاسات والمصائب تعج بها الحياة الحقوقية لأن اللغة التي يتعامل بها هؤلاء خالية من روح الإنسانية، الإنسانية في تعامل المحامي مع موكليه ومع من يطرق مكتبه ومع خصومه ايضا فهو لا يفجر في خصومة، ولا يمعن الخصومة إلى حد الإضرار به والنكاية عليه فإن الله لا يحب المعتدين ولا يحمله الخصام على رفض الحق مهما كان .

 ولذا جاء في (( النظام الأساسي لنقابة المحامين اليمينين )).

المادة (119) :  على المحامي أن يمتنع عن توجيه أي ألفاظ أو عبارات غير لائقة إلى خصم موكله أو التعرض للأمور الشخصية واتهامه بما يمس شرفه وكرامته ، مالم تستلزم ذلك ضرورة الدفاع عن مصالح موكله.

هذه الإنسانية هي السر وراء اليد الحانية التي يتمتع بها فارس المحاماة وهي البلسم الذي يضعه في قلوب المفؤودين وهي الدواء الذي به يسترد المعتل من نكد الخصومة عافيته .

المحامي الفارس محام إنسان : 

تتمثل جوانب الإنسانية في المحامي الفارس في جوانب شتى اهمها : 

ا-  إنسانية في الإدراك والإحساس : 

فالمحامي الإنسان لا يسمح لزحمة الحياة وكثرة الخصومات في أن تنال من إحساسه المرهف بالآخرين موكلين وغيرهم، يدفعه هذا إلى حسن استماع الآخرين وتحسس أوجاعهم بالقدر الكافي المقدور عليه، لا يجعل من المال والمادة معيارا لازما لاهتماماته بل يسعى جاهدا لأن يساعد من يحتاج إلى المساعدة فيتصدق ببعض وقته وجهده لأجل ذلك ويوقف بعضا من مجهوداته في سبيل العمل الطوعي لوجه الله تعالى 


2- إنسانية في الأخذ والعطاء : 

فهو لا يبعثر إنسانيته في أكوام الطمع ولا يكبت صوت ضميره تحت وطأة لجام المادة، بل يفضل أن يظل ضميره حيا لأنه يعلم أن لا فائدة تذكر وراء مال أوجاه أو نصر يكون بمقابل تنازله عن.مبادئه وإنسانيته .

3- إنسانية في الاهتمامات : 

فهو يؤثر تفعيل ما كان له علاقة بالإنسانية على ما كان أقل من ذلك علاقة ولا يغلب الاعتبارات المادية على القيم الإنسانية ، وهذا يظهر جليا في مرافعاته وعباراته وكتاباته وكيفية تناوله للإنجازات والنجاحات التي يحققها .

4- إنسانية في الأفراح والأحزان: 

فهو اذا فرح انصبغت فرحته بالمعاني الإنسانية وإذا حزن كذلك ، فإذا ما ظفر المظلوم بحكم يستخرج به حقه فرح لذلك الحكم وجذل به، اشد من فرحه وجذله بالعائد المادي من وراء ذلك قلبه متعلق بنضرة الضعيف والمظلوم. يفرح لفرحه ويحزن لحزنه ، وهذا من أهم عوامل النجاح وأهم عوامل بقائها أيضا.

5- إنسانية المحامي الفارس إنسانية متبصرة عاقلة : 

ليس المقصود من الإنسانية لدى المحامي أن يتعاطف مع كل من أرسل الدمع أو أظهر التحزن ، ولكن إنسانيته لا تنفصم عن عرى الحق وميزان العدالة فإن الإنسانية أمر موضوعي يحتاج إلى تبصر بعيد عن تأثيرات المشاعر التي ربما حادت في أحيان ما بالمحامي عن طريق الصواب وجادة الحق ، كما قال تعالى : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) سورة النور / اية رقم (2).

ولذلك يخطئ كثيرون حين يتحدثون بأنهم دائمآ يقفون مع الضعفاء والفقراء،  وليس المحامي الفارس كذلك ، لأنه يقف مع الضعيف إن كان الحق له فحسب ويكون مع القوي إن كان الحق له بعد تمحيصه وبحثه.


6- إنسانية تمنعه عن استغلال ضعف موكله أو قوته : 

فهو لا يستغل حاجة الضعيف ولا قوة الشريف لتحقيق غرض غير مشروع ولا يتوسل بمكانته إلى ما لا يجوز له .












المبحث الثاني / الفراسة : 

 الفراسة والحدس في المحاماة هي العقل الإضافي اللازم لتحقيق النجاح،  وكثيرا ما نسمع بها لدى العامة والخاصة لكننا هنا نجلي بعض مفرداتها لتتضح معالمها لدى القارئ فيسعى في تحصيلها، فنحن نرى أن الفراسة مهارة يمكن أن يتحصلها المحامي أو ينميها لديه .

المطلب الأول / ماهية الفراسة: 

 الفراسة تتضمن فهم بواطن الأمور وعدم الوقوف عند السطح:  وهذا ما يتضمنه الفقه المطلوب من المحامي والحقوقي، يقول العلامة مصطفى أحمد الزرقا في هذا الصدد :" تفيد معجمات اللغة العربية جميعا أن الفقه معناه الإدراك العميق في أمر من الأمور، وبذا يتميز عن الفهم الذي يدل على مجرد الإدراك ولو بلا تعمق" (1)

ولذا فالفقه هو معرفة بواطن الأمور والوصول.إلى أعماقها، فمن لم يعرف من الأمور إلا ظواهرها لا يسمى محاميا أو حقوقيا .

 وهذا يشترك مع الفراسة التي تتضمن الاستفادة من دقائق الأمور والمسائل والحركات لاستكشاف ما خفي من الحقائق والأمور .

1- الفقه الإسلامي ومقاصده لمصطفى أحمد الزرقا - ص 9.

المطلب الثاني/ جوانب من فراسة المحامي الفارس : 

1- فراسة في التساؤل:

سواء مساءلة الشهود أو الموكل أو شخص آخر فيستطيع توجيه الأسئلة الملائمة التي يتفرس من خلالها أنها مفتاحية بالنسبة للقضية ويستطيع فهم الغوامض وتجلية الكوامن.

2- فراسة في الربط : 

 فهو يربط بين الوقائع ربطا منطقيا ويسلسلها ملاحظا في ذلك ومراعيا لواقع القضية وحال شخصياتها ونفسياتهم وما يخفونه من معالم القضية .

3- فراسة في التفسير : 

تفسير المواقف وتحليل البيانات والتقارير والتنبؤ بما سيفعله الخصم وبما ستقضيه المحكمة كل ذلك يتفاوت بين المحامين على قدر ما يمتلكونه من فراسةِ.


4- فراسة في المظاهر والظواهر :

فهو يتفرس في المظاهر ليكشف البواطن ويوفر لنفسه معلومات لا تتوافر بغير هذا ، ولكن يجب الفهم بأن هذه المعلومات ليس قطعية ولكنها ظنية تجدي في حال الاستئناس بها وتشبه القرائن غير القطعية .

ولذا فالمحامي الفذ لديه معرفة ودربة في الاتصال بلغة الجسد لأن الجسد له لغة يذكرها العلماء ويعرفها الناس ولا بد للمحامي من معرفتها بانواعها الستة : الحركات - التواصل البصري - تعبيرات الوجه - اللمس - المكان- الزمان .

المطلب الثالث /مواد الفراسة وخاماتها : 

 للفراسة أسباب ومغذيات وموارد منها الذهنية الصافية والنفسية المطمئنة والمعارف المتضامنة وملكة التعليل والفلسفة والاتزان وحسن الظن، فعلى المحامي ان يقوم بتحصيل هذه الموارد، ويعمل على تنميتها والتدرب عليها حتى ملكة راسخة لديه.

وفي الختام نسأل الله ان ينفع ويرفع بما نقول ونفعل، والحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

                والله الموفق ،،


Ahmed shahata

سوق الطبيقات 3

مدونة عربيه تهتم بالتقنيه وشروحات السيو، انشائها المبرمج نورالدين العرشاني مصمم مواقع ويب بلغه html ، مدونتنا تقوم بتعديل القوالب وتصميمها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق