📚 سماع الشهود وإعادة مناقشتهم في الجلسة
✍️ بقلم المستشار/ أحمد محمد نعمان -محامٍ وكاتبٌ يمنيّ
👇 👇
تمهيد:
يشهد واقع القضاء وفصل الخصومات بين الناس العديد من الإشكالات والعقبات أمام تحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات، ومن تلك الإشكالات ما يرجع سببه إلى التركيبة الذهنية والعلمية لدى بعض القضاة، ممن لم يسبروا غور الشريعة، ولم يغوصوا لاقتناص لآلِيهَا ودُرِّها، فالسطحية والظاهرية المتشددة في فهم النصوص أصبحت عبئا يثقل كاهل القضاء ويُغَشِّي على استنارة القاضي بغشاءٍ متصلب؛ سببُه قُوى الشَّد السطحية التي تمنع عقلية بعض القضاة من الغوص إلى أعماق النصوص، وإعمال فقه الموازنات والمصالح، وتحقيق المقاصد؛ التي يمكنها من تحقيق العدالة وحماية الحقوق والأموال والأعراض والحريات.
ونناقش في بحثنا هذا بعضا من طرائق الاستدلال بمادتين من مواد الإثبات وهما المادتان التاليتان
مشكلة البحث:-
👈يقف بعض القضاة عند ظاهر المادتين(٧٠، ٧١) إثبات يمني معدل بعض مواده رقم(21)لسنة 1992م متناسين الموجهات والأطر المتمثلة بالمبادئ العامة للعدالة والقواعد والأصول الكبرى التي تمثل المرجعية التفسيرية لِما استُشكِلَ فهمه على بعض القضاة.
فالمادتان محل البحث ليستَا ببعيدتين عن المقاصد الكُبرى التي نُصِبَتْ لأجلها الشرائعُ بل هما من صميم روحها ، تلك المقاصد التي تتمثل بالكشف عن الحقيقة وحماية طرائق الاستدلال ووسائله ، فشهادة الشهود تحتَلُّ منزلةً في غاية الاهمية في كثير من التشريعات المنظمة للإثبات ، ولذا فلا يمكن تفسير وفهم تلك القواعد المتعلقة بتنظيم الشهادة والشهود وأداء الشهادة إلا بما يتوافق مع وظيفتها كوسيلة من وسائل الإثبات، وهذه الوظيفة هي كشف الحقيقة وإبانة المراكز القانونبة وحمايتها بالإضافة إلى حماية سائر الحقوق والأموال.
👈ولقد تجد في قرارات بعض القضاة ما تعجب له ، إذ يمتنعون عن الاستجابة لطلب مناقشةٍ إضافية للشاهد بعد سماعه ومناقشته من قبل الخصم وإثارته مسائلَ تستلزم مناقشتها لتأثير ما استَجدَّ في شهادته من تفاصيل على مسار القضية ، والأعجب من هذا أنهم يتعللون بكون المادة(٧٠) من قانون الإثبات التي نصت: (يكون توجيه الأسئلة إلى الشاهد من رئيس المحكمة أو القاضي المنتدب ويجيب الشاهد أولاً عن أسئلة المحكمة ثم عن أسئلة الخصم الذي استشهد به ثم عن أسئلة الخصم الآخر ولا يجوز لأحد الخصوم أن يقطع كلام الآخر أو كلام الشاهد وقت أداء الشهادة ، ويجوز للمحكمة أو لأي عضو من أعضائها عن طريق رئيس المحكمة أن توجه للشاهد ما تراه من أسئلة لكشف الحقيقة.)
فيتعللون بكونها رتَّبتْ كيفية سماع الشهادة ومناقشة الشهود، مغفلِين أن القانون رتَّبَ هذا على الغالب العام لا على سبيل التشديد والتحديد البات ، ويجب حمل معنى المادة على هذا حتى تتماشى مع المقصد الشرعي من نصب الشهادة وجعلها وسيلة من وسائل الإثبات إذ لا يمكن للقانون أن يقف عائقا أمام كشف الحقيقة ويدفن جزءاً من الحقيقة التي بحوزة الشاهد الذهنية ، فمن يتمسك بالقالب والشكل ويؤوله تأويلاً يعيق العدالة وكشف الحقيقة يكون قد جنى في حق القضاء والاثبات.
👈وإنك لَتعجبُ أكثر من مبالغةِ قاضٍ يتمسك بتلك القوالب والترتيبات ويتشدد في المسألة حتى لَكأن إذنه الذي أذن له القانون به غير جائز مُطلقاً فتراه يغالي في منع الخصم من طلب المناقشة الإضافية للشاهد حتى إنه يعطل النص بالإذن نفسه.
ولهذا فمن ذهب مذهبه يجب أن يتنبه إلى أنه لو كان الأصل في طلب المناقشة الإضافية للشاهد هو الحظر والمنع لما أذن به أصلا لأن إذن القاضي لا يبيح محظورا في ذاته ، وهذه نكتة لطيفة يجب التنبه لها
👈ونبين أدلة ما ذكرنأ وذلك على النحو الآتي:
(أولا) ليس من نافلة القول أن نذكر أن الأصل في طلبات الخصوم هي الجواز وليس الحظر، واللازم للقول بحظر طلب ما للخصم هو الدليل الذي لا يقبل الاحتمال ، لأن نقل الحكم عن أصله إلى ضده لا يجوز بمجرد الظن والاحتمال بل يلزم له الدلالة القطعية والثبوت القطعي لدليل المنع قبل ذلك ، لأن الواجب هو استصحاب الأصل وعدم المنع
أضف إلى ذلك أن مما يؤيد ما ذهبنا إليه هو أن قانون الإجراءات الجزائية اليمني قد وقف بجانب الخصم طالباً إعادة سماع الشاهد ونص على المقصد من ذلك فقال في المادة( 354)منه:(لتوضيح أي وقائع جديدة أوردها في شهادته أو عند مناقشته)وما يقوله القانون الجزائي لايختلف أيضا عن ماورد في قانون الاثبات من باب عدم الفارق ولِاشتراك الحالين في القانونين في العلة والمقصد ، ناهيك عن معقولية وعدالة مطلب الخصم بسماع الشهادة ومناقشة الشهود في فرصة أخرى.
وهذا ما نص عليه قانون الإجراءات الجزائية رقم(13)لسنة 1994م
مادة(354): أ- تستمع المحكمة إلى شهود الإثبات و يسأل القاضي الشاهد عند انتهائِه من أداء الشهادة هل المتهم الحاضر هو المقصود بشهادته ثم يسأل المتهم هل له اعتراض عليها ثم يكون توجيه الأسئلة للشهود من النيابة العامة أولا ثم المدعي الشخصي فالمدعي المدني ثم من المتهم ثم من المسؤول عن الحقوق المدنية.
ب- يجوز للمحكمة أن تسمح بإعادة سؤال الشاهد من قبل أي طرف من أطراف الدعوى و ذلك لتوضيح أي وقائع جديدة أو ردها في شهادته أو عند مناقشته.
(ثانيا) بالعودة الى نص المادة (71) من قانون الإثبات:(إذا انتهى الخصم من استجواب الشاهد فلا يجوز له إبداء أسئلة جديدة إلاَّ بإذن المحكمة أو القاضي المنتدب)
👈نجد أنه عند تمعننا فيها وبشيء من التبصر ومراعاة المقاصد وفهم الألفاظ فهماً صحيحا يتساوق مع الغرض الذي وردت له فإنك لن تجد فيها ما يبيح للقاضي رفض طلب الإذن باستجواب الشاهد من قبل الخصم الذي سبق وأن ناقش الشاهد في الجلسة ولكن ظهرت له بعض الاسئلة بسبب إثارة الشاهد مسائل أخرى لا بد من الرد عليها
ولذلك فإنه لا بد لاستجلاء الحقيقة اللازمة لفهم هذه المادة فهماً سليما يتماشى مع المبادئ العامة للقضاء.
(ثالثا)سلطة القاضي التقديرية في الإذن المذكور في المادة (70) اثبات:-
حين قال المشرع : ( فلا يجوز له إبداء أسئلة جديدة إلاَّ بإذن المحكمة أو القاضي المنتدب).
1- منح القانون والفقه القاضي سلطة تقديرية في مراقبة وإدارة سير الإجراءات والترافع أمام القضاء فأجاز للقاضي الاكتفاء بشهادة بعض الشهود وعدم سماع الآخرين منهم طالما كانت شهادات سابقيهم كافية ومؤَديةً إلى قناعة المحكمة التي ستبني عليها حكمها ، ولكنَّ هذه السلطة وهذا الإذن منوطٌ ومرتبط بمدى قيمة الأسئلة الإثباتية وليس اعتباطا من القاضي بدون مسوغ.
2- لَابُدّ للمحكمة أن تستجيب لطلب الإذن فتبدأ بتفحصه وتقييم مدى ضرورته وتأذن للخصم (طالبه) بالاستجواب.
3- لا ينبغي أن تكون سلطة القاضي التقديرية عائقاً يقفُ أمام القضاء للوصول إلى الحقيقةِ.
4- يجب على القاضي أن يأذنَ باستجواب الخصم لشاهده طالما كانت المناقشة من شأنها تغيير مسار القضية لِلأمثل.
5- لا يجوز للقاضي أن يؤسسَ منعه لطلب الإذن بمناقشة الشاهد على أن القانون خوله الإذن فحسب، لأن القانون حينما منحه إنما منحه ذلك مُحمِّلاً إياه بحث الطلب ووجاهته وضرورته لا أن له الحق في رفض الطلب بمجرد الهوى والمزاج، ولا يحوز إعمال القاعدة القانونية بشكل يتناقض مع المبدأ الأساسي الذي شُرِعتْ له القاعدة ذاتها وهو كشف الحقيقة ، لأن تعسف القاضي ورفضه طلب الإذن بمناقشة الشاهد يعتبر مرفوضا مطلقا.
6- إن إذن القاضي للخصم بذلك وذكر القانون له إنما هو بيان للإجراء وكيفيته وخطواته، وليس فيه التقرير بحرمان الخصم من مناقشة الشاهد فيما أثاره أخيرا لصالحه أو ضده.
(رابعا) إن ألفاظ المشرع هي ألفاظٌ غايةً في الدقة والملاءمة فقوله: ( إذا انتهى الخصم من استجواب الشاهدِ ) ليس قولا مرسلا بل مقصودا ودقيقا ، فانتهاء الخصم لا يكون بأن يبدأ الخصم الآخر في مناقشة الشهود بل حينما تسكتُ المناقشة من قبل الخصمين للشاهد ، أما اذا انصبتْ الشهادة على جزء من الواقعة فيناقشه الخصم في تلك الجزئية وتنتقل المناقشة إلى الخصم الآخر فيدلي الشاهد بمثاراتٍ جديدةٍ في شهادته ، فتتولد عند الخصم الأول أسئلة تتعلق بما أثاره الشاهد أثناء مناقشته من الخصم الآخر فهنا لا يجوز أن يُمنَعَ الخصم من معاودة المناقشة لما استجد في شهادة الشاهد كون ذلك ضروريا بالنسبة إليه.
قول المادة(70) ق إثبات :(فلا يجوز له ابداء أسئلة جديدة)
إن كلمة إبداء تعني أن يبتدئ الخصم تلك الأسئلة بمعنى أن تكون تلك الأسئلة مبتدأة ، تتعلق بنقاط لم تتضمنها ولم تثرها تلك الشهادة ؛ مالم فإنها لا تكون داخلة في هذه الجملة التي نحن بصدد بيانها ، إذ إن الجملة السابقة التي يتعلل بها بعض القضاة الذين يرفضون طلبات مناقشة الشهود إنما تتحدث عن الأسئلة التي تَنصَبُّ على وقائع أو تفاصيل جديدة لم يتطرق إليها الشاهد أو الخصم الآخر عند مناقشته الشاهد ، ويؤيد هذا قوله (أسئلة جديدة) فكلمة جديدة تدل على ما ذهبنا إليه ، من كون العبارة هذه تسري على تلك الأسئلة التي تتعلق بوقائع أو تفاصيل جديدة لم يتطرق إليها الشاهد أو الخصم، ولو كان معنى العبارة غير ما ذكرنا لكان المشرع قد قال :(فلا يجوز له طرح أسئلة أخرى) ، وبين العبارتين بونٌ شاسعٌ لا يَعمَى عنه إلا من سُدَّتْ براعم تذوقه اللغوية ، وتخدرت قواه الإستدلالية وتبلد حسه القانوني.
(خامسا) إن الإذن الذي ذكرته المادة مخولة إياه القاضي هو إذن إجرائي لا موضوعي فلا يصح أن يستند إليه القاضي لِحرمان الخصم من استجواب الشاهد، فالإجراء يشترط لِيفعل ويطبق لا ليصير مانعا.
(سادسا) إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ؛ ولما كانتِ الحقيقة لا تتجلى إلا باستجواب الشاهد الإستجواب الذي يجعل من شهادته حاسمةً في الباب الذي ورت فيه ، فإن ذلك الاستجواب يضحي أمرا لابُدّ منه ، ومَن قال بغير ذلك قلنا له : لستَ أهلاً لِلتّرجيح ، ولا مُتَأهلاً للتسقيم والتصحِيح .
(سابعا) وجُوهٌ متفرقةٌ تؤيد ما ذهبنا إليه :
1- إن مما لا بد للقاضي وغيره أن يجعله في نصب الأعين أن تنصيب الشرع له للفصل بين الناس إنما كان ذلك لغرض نفع العباد وبيان سبيل الحقوق وحفظها وحفظ الأموال والأنفس والأعراض والديانات، فسلطة القاضي في الإذن لطالب مناقشة الشهود منوطة بتحقيق المصلحة للمتخاصمين وليستْ رهن الهوى وضربَة الحظ التي يصرف بعض القضاة شؤونَ القضايا وفقا لها، ولذا لا يقبل من القاضي أن يقرر رفض الطلب دون بيان شاف وكاف يظهر فيه أن ليس ثمة اعتباط في إجراءاته.
2- إن رفض القاضي طلب مناقشة الشاهد فيما أثاره جديدا هو إهمال لمبدأ المساواة بين الخصوم، لأنه إذا كان القاضي قد سمح للخصم وللشاهد أن يثير تفاصيل ووقائع ومسائل لم يناقشها الخصم السابق ثم لا يأذن للخصم هذا أن يناقشها فإن ذلك يكون مُنطَويا على جُنوحٍ إلى الخصم المناقِش أخيرا وهو الأمر الذي تأباه مطالب العدالة.
3- إن قال قائل إن الإذن المذكور في المادة يحتمل ما ذهبتْ إليه ويحتمل أن يكون شرطا غير مشروط بما ذكرتْ ، قلنا : إن الإذن هنا جاء مستثنى والاستثناء اذا كان حَمَّالاً لأوجه ؛ وكان بعضها موسعا للمعنى والبعض الآخر مضيقا له؛ وجب العمل بالمعنى المضيق له ؛ فإن الأصل هو عدم الإستثناء وهذا ما يتوافق مع القاعدة الشرعية القائلة بعدم جواز التوسع في الإستثناء.
4- إن عدم الإستجابة لطلب الخصم استجواب الشاهد في ما أثاره من مسائل هو تعطيل للشهادة ونوعُ كتمانٍ لها بدون مسوغ، ويتضمن إهدارا لحق الخصم في الدفاع والدفع عن نفسه و تدارك حق له سيتفلتْ من يديه بقرار القاضي.
5- وهناك أمر آخر وهو أن المحكمة في غالب الأحوال تلجأ الى عقد العديد من الجلسات في مناقشة أمور يحتمل أن تزيد من وضوح الحقيقة وكشفها وربما أجلت الجلسات في سبيل أمر لا طائل تحته ظنا منها أنه سوف يفيد في بيان الحقيقة ، ومع ذلك التعب والتطويل تأتي المحكمة لتمنع الخصم من إذن يمكنه من الإسهام بيسر وسهولة في تجلية الحقيقة وهذا فيه ما فيه من الإهدار للجهد والوقت في غير طائل الأمر الذي يَصِيبُ أداءَ المحكمة بداء التطويل وترهل الإجراءات.
تم بحمد الله
المراجع:
١-قانون الاثبات اليمني المعدل بعض مواده رقم (21) لسنة 1992م
٢- قانون الاجراءات الجزائية رقم(13) لسنة1994م
٣-شهادة الشهود: في المجالين الجنائي والمدني وشهادة الزور واليمين الكاذبة- المستشار/ مصطفى مجدي هرجه
٤-موسوعة الاثبات في المواد المدنية والتجارية - الجزء الثالث -د/ محمد عزمي البكري
٥-مشروع تقنين الشريعة الإسلامية من مضبطة مجلس الشعب المصري 1978-1983 م
٧- الاثبات بشهادة الشهود- الاستاذ محمد وحيد دحام
٦- مراجع اخرى
👈تم ترجمة هذه المقالة مِن قناتنا المرئية على اليوتيوب لِلمزيدِ من المشاهدة إضغط على هذا الرابط 👇
https://youtube.com/@user-jj2kt4uy9u
👈 لِمشاهدة هذه المقالة على موقعنا الرسمي الإلكتروني إضغط على هذا الرابط 👇
https://anoman-lawyer.blogspot.com/2023/01/blog-post.html
👈 لِمشاهدة هذه المقالة والإطلاع على المزيد من البحوث و المعارف القانونية على قناتنا بالتليجرام على الرابط التالي 👇 👇 👇
https://t.me/anomanlawyer1
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق